مجمع البحوث الاسلامية

431

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وحكى الطّبريّ عن بعض المتأوّلين : أحكمت بالأمر والنّهي ، وفصّلت بالثّواب والعقاب . وعن بعضهم : أحكمت من الباطل ، وفصّلت بالحلال والحرام ، ونحو هذا من التّخصيص الّذي هو صحيح المعنى ، ولكن لا يقتضيه اللّفظ . ( 3 : 148 ) الطّبرسيّ : ذكر فيه وجوه : [ أحدها : قول ابن عبّاس ، وثانيها : قول الحسن وأبي العالية ، وثالثها : قول مجاهد ، ورابعها : قول أبي مسلم وقد تقدّمت كلّها . ] وخامسها : أتقنت آياته فليس فيها خلل ولا باطل ، لأنّ الفعل المحكم ما قد أتقنه فاعله حتّى لا يكون فيه خلل . ( 3 : 141 ) ابن الجوزيّ : [ نقل أقوال المفسّرين ثمّ قال : ] فإن قيل : كيف عمّ الآيات هاهنا بالإحكام ، وخصّ بعضها في قوله : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ آل عمران : 7 . فعنه جوابان : أحدهما : أنّ الإحكام الّذي عمّ به هاهنا غير الّذي خصّ به هناك ، وفي معنى الإحكام العامّ خمسة أقوال : قد أسلفنا منها أربعة في قوله : أُحْكِمَتْ آياتُهُ ، والخامس : أنّه إعجاز النّظم والبلاغة وتضمين الحكم المعجزة . ومعنى الإحكام الخاصّ : زوال اللّبس ، واستواء السّامعين في معرفة معنى الآية . والجواب الثّاني : أنّ الإحكام في الموضعين بمعنى واحد ، والمراد بقوله : أُحْكِمَتْ آياتُهُ أحكم بعضها بالبيان الواضح ، ومنع الالتباس ، فأوقع العموم على معنى الخصوص ، كما تقول العرب : قد أكلت طعام زيد ، يعنون بعض طعامه . ويقولون : قتلنا وربّ الكعبة ، يعنون قتل بعضنا ، ذكر ذلك ابن الأنباريّ . ( 4 : 73 ) نحوه الخازن . ( 3 : 177 ) الفخر الرّازيّ : في قوله : أُحْكِمَتْ آياتُهُ وجوه : الأوّل : أُحْكِمَتْ آياتُهُ نظمت نظما رصيفا محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصّف . الثّاني : أنّ الإحكام عبارة عن منع الفساد من الشّيء ، فقوله : أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي لم تنسخ بكتاب ، كما نسخت الكتب والشّرائع بها . واعلم : أنّ على هذا الوجه لا يكون كلّ الكتاب محكما ، لأنّه حصل فيه آيات منسوخة ، إلّا أنّه لمّا كان الغالب كذلك صحّ إطلاق هذا الوصف عليه ، إجراء للحكم الثّابت في الغالب مجرى الحكم الثّابت في الكلّ . الثّالث : قال صاحب « الكشّاف » ( أحكمت ) يجوز أن يكون نقلا بالهمزة من حكم بضمّ الكاف إذا صار حكيما ، أي جعلت حكيمة ، كقوله : آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ . الرّابع : جعلت آياته محكمة في أمور : أحدها : أنّ معاني هذا الكتاب هي التّوحيد ، والعدل ، والنّبوّة والمعاد ، وهذه المعاني لا تقبل النّسخ ، فهي في غاية الإحكام . وثانيها : أنّ الآيات الواردة فيه غير متناقضة ، والتّناقض ضدّ الإحكام ، فإذا خلت آياته عن التّناقض